الرئيسية >> مقالات >> هل حان الوقت لإنصاف محافظة الجوف؟

هل حان الوقت لإنصاف محافظة الجوف؟

علي ناجي قرصان

أكره دائما الكتابة والنقاش حول القضايا ذات الطابع المناطقي، والتي تتمحور حول الهموم والمشكلات الأدنى من وطنية؛ كالحديث عن قضايا تخص محافظة دون أخرى، أو منطقة دون منطقة، كما يفعل بعض المثقفين والناشطين، وأحرص وأحبذ، دائما، إلى تغليب المصلحة العليا للوطن بكل مناطقه ومحافظاته، خصوصا في مثل هذه المراحل العصيبة التي نمر بها جميعا. لكنني وجدت نفسي هذه المرة مضطرا للخروج عن ذلك السياق؛ لأكتب عن موضوع يخص الجوف-محافظتي-، ولعل ذلك بسبب متابعتي لتنامي الأصوات التي ظهرت مؤخرا من العديد من الناشطين من أبناء المحافظة، والتي تدعو لإنصاف الجوف عن سنوات طويلة عاشتها تحت الحرمان والتجاهل والإقصاء والتهميش، وتطالب بإعادة الإعتبار والنظر إلى هموم ومطالب ومشكلات المحافظة. هذه الأصوات التي قد يعتبرها البعض مناطقية وتحت وطنية، أو أنها لا تأتي في التوقيت المناسب، كما قد يقول البعض الآخر؛ ما دفعني مضطرا للتعليق على ذلك.
لقد عاشت الجوف، في فترة حكم علي صالح البلاد وما قبلها امتدادا إلى عصر الدولة المعينية، سنوات من الظلم والتجاهل والتجهيل والتهميش وغياب الدولة والأمن والخدمات و…إلخ، وتعرضت لأكبر عملية شيطنة وتشويه أمام الرأي العام المحلي والعالمي، قادها نظام صالح، لأسباب لا مجال لتناولها هنا، أدت إلى تشكل صورة ذهنية عن الجوف، أرضا وإنسانا، بإنها غابة موحشة وأبناؤها قتلة وقطاع طرق ولا يرغبون في وجود الدولة والأمن والخدمات، وبإنها “مثلث برمودا”، وبالتالي فليس فيها ما يستحق الإهتمام والعناية، على الرغم من كون الحقيقة خلاف ذلك إلا إن حملة التشويه والشيطنة الممنهجة وطويلة المدى التي قادها صالح بحق الجوف وأبناؤها قد نجحت في مهمتها إلى حد كبير. وقد ساعدها في ذلك بعض الوقائع والظواهر السلبية التي قام بها أو أختلقها بعض ضعاف النفوس وعديمي الأخلاق الذين لا يمثلون إلا أنفسهم وهم الشريحة الأندر وجودا في مجتمع الجوف، ولا يمكن إحتساب أعمالهم وممارساتهم على كل أبناء الجوف، ويوجد مثلهم في كل محافظة وليس الجوف فقط، بل إن السياسة التي أنتهجها النظام السابق تجاه الجوف هي التي صنعتهم أساسا، ولو إن النظام أدى مسؤولياته تجاه المحافظة وأبناؤها، وسعى لإيجاد الدولة والأمن وتوفير الخدمات والتعليم والتوعية فيها، كبقية محافظات الجمهورية، لما وجدت تلك الظواهر السلبية ولا أولئك الأشخاص الذين شوهوا سمعة المحافظة، لكن النظام تقاعس عن مسؤولياته تلك، ثم لم يكتفي بذلك بل زاد عليه بتوظيف ذلك كفزاعة في حملته الشعواء ضد أبناء الجوف، وبدأ وكأنه مسرور بوجود تلك السلبيات الموجودة لديهم، حتى يستمر في تجاهلهم ومشاكلهم، معتبرا إياها ممبررات تعفيه من مسؤوليته تجاههم. وهكذا ظلمت الجوف لسنوات طويلة وتم تغييبها من دائرة إهتمامات وخدمات الدولة التي صارت تتعاطى مع الجوف وكأنها مستعمرة وليست جزء أصيل من اليمن، بما يذكرنا بالطريقة التي تتعاطى بها الدول الإستعمارية مع مستعمراتها.
وبعد إن جاءت الثورة الشعبية الشبابية في 11فبراير2011 رأى أبناء الجوف فيها الفرصة المناسبة للتعبير عن سخطهم الطويل والمتصاعد ضد نظام صالح وسياساته وطريقة حكمه تجاه اليمن عموما والجوف خصوصا، كما وجدوها، كغيرهم من أبناء اليمن، فرصة لتغيير النظام الظالم؛ فهبوا لتأييد الثورة وشاركوا فيها بفاعلية حتى تمكنت الثورة من إسقاط رأس النظام، علي صالح، وسلمت إدارة البلد إلى الرئيس هادي وكان الأمل يحدوا الكثير من أبناء الجوف إلى إن يتم إعادة الأعتبار إلى مظلوميتهم المتراكمة، وإنصافهم عن الظلم والتجاهل والإستبعاد المتعمد، وإيلائهم الإهتمام المطلوب كغيرهم من أبناء الشعب. وفي تلك المرحلة تعرضت الجوف لعدوان عسكري محلي قامت به مليشيات جماعة الحوثي، لكن أبناء الجوف تصدوا ببسالة منقطعة النظير وبتشكيلات شعبية قبلية لذلك العدوان، نيابة عن كافة مناطق ومحافظات الجمهورية، وتمكنت من إلحاق الهزيمة بتلك المليشيات الخارجة عن النظام والقانون، وأنتصرت بذلك لكل اليمنيين وحافظت على المرافق والمنشئات الحكومية نادرة الوجود أصلا. وبذلك أثبت أبناء الجوف تطلعهم وإستعدادهم للتعاون مع أجهزة الدولة ومؤسساتها لبسط نفوذها وإيجاد الأمن وتوفير الخدمات كالتعليم والصحة والكهرباء و..إلخ، وبذلك رموا الكرة في مرمى الإدارة السياسية للبلد التي أتت بها الثورة، والتي على الرغم من قيامها ببعض الإجراءات التي تعيد بعض الإعتبار لمظلوميتهم وتضحياتهم الجسيمة، تمثلت في إنجاز عدد من المشاريع الخدمية والتنموية، ووضع حجر الأساس لأخرى وإلا إنها لم تكن بالمستوى المطلوب. وفي الحقيقة إن الوقت لم يسعف الحكومة لفعل شيء لأبناء الجوف كما لغيرهم من اليمنيين؛ حيث أتى الإنقلاب الحوثي-صالحي وفعل باليمنيين ومؤسسات دولتهم ومصالحهم ما فعل. بعد ذلك هب اليمنيين إلى معركتهم الوطنية ضد الإنقلاب دفاعا عن ثوابتهم الوطنية وثورتهم ونظامهم الجمهوري، وحفاظا على هويتهم القومية العربية ضد مشاريع السلالة والتوريث والإستبداد التي يحملها ذلك الإنقلاب المدعوم إيرانيا. وأشترك أبناء في تلك المعركة بفاعلية، بالإضافة إلى إن لهم رصيد كبير ومنذ وقت مبكر في تلك المعركة الوطنية عندما تصدوا لمحاولات مليشيات الحوثي السيطرة على محافظتهم في الفترة التي أعقبت ثورة11فبراير في عدة جولات من الحروب. في فترة ما بعد الإنقلاب وبعد سقوط الجوف تحت سيطرة مليشيات الإنقلاب دخل أبناء الجوف في معركة الوطن ومقاومة الإنقلاب بقوة وحضور منقطع النظير وبسالة نادرة دفاعا عن الشرعية الدستورية والخيارات الوطنية وهبوا لتحرير محافظتهم من سطوة تلك المليشيات الإنقلابية القبيحة، قدموا خلال ذلك الكثير من التضحيات وقوافل الشهداء والجرحى والجهود. وأثبتوا مجددا إيمانهم بخيارات الشعب وثوابت الوطن ومبدأ الدولة ورفضهم لحكم المليشيات، وتطلعهم للدولة المدنية الحديثة القائمة على أساس العدل والمساواة والحكم الرشيد..دولة النظام والقانون والمواطنة المتساوية التي تنهي وإلى الأبد كافة أشكال التمييز والإقصاء والتهميش والإستبعاد لأي إنسان أو مكون أو منطقة.

وخلال فترة قصيرة تمكن أبناء الجوف من إستعادة محافظتهم، كأول محافظة شمالية، من المحافظات التي سيطر الإنقلابيون عليها، تتمكن من هزيمتهم والإفلات من قبضتهم مثبتين، عمليا، نضجهم الوطني وسعيهم في طريق بناء وإيجاد الدولة التي يحلم بها كل اليمنيين. ترافق مع ذلك الأمل الكبير لدى كل أبناء الجوف في الإنصاف والمساواة والعدل ورفع المظلومية الممتدة لسنوات طويلة.  
اليوم، وبعد تحرير المحافظة، بدأ الكثير من الناشطين والشخصيات الإجتماعية والمثقفين من أبناء الجوف يتساءلون عن ما تكنه له الأيام/المرحلة القادمة، وهل سيتكرر بحقهم ما جرى لهم خلال سنوات طويلة من الظلم والتجاهل والإستبعاد والفقر والجهل المفتعلين؟، وبماذا ستكافئ الحكومة والسلطة الشرعية أبناء الجوف نظير تلك التضحيات والنضال والجهود التي قدموها في طريق الوطن والثورة، وفي سبيل الدفاع عن الشرعية الدستورية والخيارات المناهظة للإنقلاب؟، وهل الحكومة ستتفهم مطالب أبناء الجوف التي لا يمكن وصفها إلا بالطبيعية والمشروعة والعادلة، وستنصت لمظلوميتهم الطويلة والمتجذرة، أم إنها ستقابل مطالبهم وقضاياهم بالتسويف والمماطلة تحت أعذار وتبريرات: ليس الآن، الظروف غير مناسبة لهكذا مطالب، المرحلة تطلب منكم إرجاءها إلى (يعلم الله متى)، وغيرها من الأعذار الواهية. 

طبعا، أبناء الجوف لم يطالبوا بفك الإتباط، ولا الحصول على إمتيازات خاصة، ولم يطالبوا بأمور كبيرة حتى يطلب منهم إمهال الحكومة والشرعية في النظر والإنصات لها بحجة ضرورة مراعاة ظروف المرحلة الراهنة، وإرجاء المطالبة بها لأجل غير معلوم، فقط أكتفوا حاليا-ومراعاة لضروف المرحلة التي يعيشها الوطن- بالمطالبة بإن تولي الحكومة محافظتهم بعض الإهتمام والعناية، وتسعى قدر الإمكان لتوفير الإحتياجات الأساسية والخدمية كالكهرباء والصحة والتعليم والمواصلات في المناطق والمديريات المحررة، وإن تتجنب الحكومة والشرعية تكرار ما جرى بحق الجوف وأبناؤها، في المراحل الماضية، في موضوع التعيينات في المناصب والمسؤوليات بالمحافظة؛ وذلك بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب وأن يكون من أبناء المحافظة وليس من خارجها؛ فالجوف يوجد فيها كوادر قادرة على قيادة كل اليمن، وليس فقط الجوف. وفي هذا الصدد نشيد بتعيين محافظ للجوف من أبناؤها ربما لأول مرة في تأريخ الجوف، ونأمل أن تكون بقية التعيينات كذلك. كما يطالب أبناء الجوف بإشراكهم في التمثيل والحضور السياسي والعسكري والقيادي على الصعيد الوطني، وألا يستمر إستبعادهم وإقصائهم في هذا الصدد.
 وهذه المطالب، طبعا، وبالإضافة إلى كونها مشروعة وعادلة، فإن الإستجابة لها في وسع الحكومة والقيادة السياسية، وليس هناك ما يستدعي تأجيل تلبيتها، وهي أيضا وإضافة إلى إنها ليست كل مطالب أبناء الجوف؛ فقد تم السكوت عن مطالب أخرى مراعاة لمقتضيات المرحلة، فإنها أقل ما يمكن أن تقدمه السلطة الشرعية لأبناء الجوف نظير نضالهم وتضحياتهم مع الثورة، وضد المليشيات، ودفاعا عن الشعب وشرعيته وخياراته وثوابته، وهي أيضا خطوة جيدة في إطار إنصاف الجوف، ورفع المظلومية عنها، ومعالجة مشكلاتهم وقضاياهم، كما إنها ستثبت لأبناء الجوف إن الماضي ولى وإلى غير رجعة ولن يتكرر بحقهم ما حصل في الأيام الخوالي، وستشعرهم بإن المستقبل لن يكون كالماضي. هذه المطالب، طالما وهي كذلك، لا يجوز تصنيفها بالمناطقية أو الما دون وطنية، كما اعتبرها البعض، أو قد يعتبرها، إما هروبا من تلبيتها وإما لإسكات من ينادون بها. كما إن عدم الإستجابة لها، أو تجاهلها -أو عدم تفهمها على الأقل- له تبعات ومظاعفات خطيرة على مستوى المحافظة وعلى مستوى الوطن، وسيمثل خيبة أمل كبيرة لأبناء الجوف الذين قدموا الكثير من التضحيات وتعرضوا للظلم والتهميش والإقصاء ليقال لهم في النهاية وعندما يطالبوا بحقوقهم العادلة: مطالبكم مناطقية ولن نستمع لكم، أو التوقيت لا يتيح لنا تلبية مطالبكم، وأعتقد إن هذا لو حصل سيكون أشد أيلاما لأبناء الجوف من ما جرى لهم خلال العقود الماضية، وسيجبرهم للتفكير في خيارات أخرى، أكثر جدوى للحصول على حقوقهم. 

إنني أقول ذلك وكلي إيمان بأن الحكومة والشرعية لن تألوا جهدا في سبيل إنصاف أبناء الجوف ورفع المظلومية عنهم، وأثمن تلك الجهود والعناية التي بذلتها الحكومة حتى الآن في هذا الإتجاه، لكنها على كل حال ليست بالمستوى المطلوب، ولا بد من بذل المزيد حتى يشعر أبناء الجوف بالإنصاف والعدالة، وليطمئنوا لمستقبلهم. كما يبقى أن ما قدمته الحكومة للمحافظة حتى الآن لا يجب أن يمنعنا من المطالبة بإستيفاء حقوقنا، وإنصافنا، ومساواتنا ببقية أبناء المحافظات الأخرى، كما إن ذلك لا يعني إننا نتهم الشرعية والحكومة بالتقصير أو التهاون، وإنما نريد أن ندق نواقيس الخطر وننبه المعنيين حتى لا يتكرر بحق هذه المحافظة المنسية معاناتها ومآسيها وقضاياها، وعلى العموم ينبغي ألا ننسى أننا نعيش في ظل حكم جمهوري ديموقراطي يتيح لكل إنسان حق التعبير عن رأيه، وقول كل ما يراه حقا.
كما أقترح، في هذا الصعيد، تشكيل تكتلا حراكيا واسعا تحدد له أهداف وبرامج عمل واضحة، ويضم في تكوينه العديد من الشخصيات الإعتبارية والمثقفين والناشطين من أبناء المحافظة، على غرار التكتلات الموجودة في أغلب المحافظات اليمنية، ويسعى هذا التكتل للتعريف بقضية الجوف ومظلوميتها، والمطالبة بمعالجة مشكلات ومآسي المحافظة، ويقوم بتمثيل الجوف لدى الجهات المعنية والعمل على مراقبة الأداء الحكومي، والسعي لكل ما من شأنه تحقيق المصلحة العامة للمحافظة، والدعوة إلى الحصول على الحق المشروع والطبيعي لأبناء الجوف في التمثيل العادل في السلطة ونصيبهم من الثروة، على أن ينتهج التكتل في ذلك الوسائل المشروعة، دستوريا وقانونيا، وبما يضمن التمثيل العادل لكل مناطق وفئات وشرائح المحافظة. وتتركز أهمية تأسيس مثل هكذا تكتل لأننا قادمون من عقد إجتماعي جديد في ظل الدولة المدنية الإتحادية الحديثة، ونظام الأقاليم الذي سيحكم البلد، وخصوصا أن محافظة الجوف تمتلك الكثير من الثروات المتنوعة، والتي يظهر أن هناك توجه حقيقي من قبل الدولة لإستغلالها، كل ذلك يحتم على أبناء المحافظة ضرورة إنشاء تكتل فاعل يعمل على كل ما من شأنه تحقيق مبدأ التوزيع العادل للسلطة والثروة، ويطالب بالحقوق والمصالح المشروعة لهم، ويكون همزة وصل بين مواطنو المحافظة وبين الجهات المعنية والحكومة، كما يسهم في تسهيل إستغلال تلك الثروات والطاقات في المحافظة، ويساعد على حمايتها.

عن الجوف برس

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الجوف بين التحرير والتغيير

الكاتب / يحيى قمع تحل علينا الذكرى الثانية لتحرير مركز محافظة الجوف وعاصمتها مدينة الحزم ...